البنيان "المَسُّوس"- بقلم محمد أعماري
محمد أعماري 25/9/2006

مع كل شهر رمضان لا تخطئ دولنا العربية الإسلامية الموعد لتأكيد وفائها للاختلاف، وليس من مناسبة ينطبق علينا فيها القول إننا اتفقنا ألا نتفق أكثر من مناسبة رمضان هذه، يصوم بعضنا يوما قبل بعض، ويصوم البعض الآخر يومين بعد بعض، وبين هؤلاء وأولئك آخرون يختارون البين بين، هناك نتيجة واحدة ونهائية يسعى بعضهم في الأخير إلى إثباتها، هي أننا مختلفون عن بعضنا، ولا نشبه بعضنا، حتى في العبادات، ولا نلتقي في شيء، حتى في رؤية الهلال، وربما لو كان بإمكان البعض أن يجعلونا نختلف حتى في الأيام والشهور لاجتهدوا في ذلك، فتجد شوالا في السعودية وذا القعدة في اليمن وذا الحجة في الجزائر ورجبا في المغرب وشعبان في الإمارات العربية المتحدة، ولو وجدوا كيف يجعلوننا نتفاوت باليومين والثلاث لفعلوا، فيصلي بعضنا الجمعة يومين قبل أو بعد بعضنا الآخر، ولم لا يجدون منا من يصليها يوم السبت أو الأحد أو في يوم آخر غير موعدها الأسبوعي.
صحيح أني لا أفهم في الفلك ولا في فنون وعلوم وعادات رؤية الهلال، لكني لا أفهم أيضا كيف أن مواطنين مسلمين لا يفصل بينهما إلا أسلاك الحدود الوهمية التي خلفها فينا الاستعمار، ثم نجد أحدهما صائما والآخر مفطرا ينتظر إذنا بالصيام من دولته التي لم تر بعد هلالها، الذي ليس بالضرورة هو هلال جارتها. كم هلالا يوجد في السماء إذن؟ وكم قمرا في هذا الكون؟ وما جدوى كل هذه التجهـيزات الفضـائية والإلكترونية والاكتشافات العلمية، وكيف ننتهي إلى هذا التشرذم مع رؤية الهلال ونحن الذين اكتشفنا الرياضيات والفلك؟
فعذرا يا شهرنا الفضيل، يا رمضان، يا شهر الوحدة والتوحيد، فلنا ما يوحدنا، ويبدو أنه لا حاجة لنا لأن نتوحد على رؤية هلالك، توحدنا الأمية يا شهرنا الفضيل، فأغلب شعوبنا غارقة فيها حتى أخمص القدمين، ويوحدنا الفقر والتهميش، وتوحدنا البطالة، وتوحدنا الخلافات السياسية. يوحدنا يا شهرنا الفضيل نجاح رؤسائنا في الانتخابات بنسب مائوية ساحقة تخول لهم سحق معارضيهم ونفيهم من الوجود، وتوحدنا التبعية لأمريكا وأوروبا، توحدنا هذه التبعية كالبنيان ''المَسُّوس'' بتعبير البنائين المغاربة، أي البنيان الذي تقل فيه بكثير نسبة الاسمنت عن المقدار المفروض، يوحدنا أيضا أننا دول لكل منها معتقلوها في غوانتنامو، يكفي أننا تَوحدنا على أرض كوبا وتحت إشراف الجيش الأمريكي، يوحدنا كذلك أن القوانين التي تحكمنا كلها تقريبا وضعها مستعمرونا منذ قرن من الزمن، وما زلنا نحن نتحاكم إليها ونسجن بها بعضنا البعض، يوحدنا أننا بلدان غنية بخيراتها وثرواتها، لكننا لا نستفيد منها، بل يستغلها غيرنا، وتساهم في تنمية اقتصاد بلدان غير بلداننا، يوحدنا يا شهرنا الفضيل أننا بلدان تقتسم أغلبية شعوبها نسبة قليلة من ثرواتها، وتستولي أقلية قليلة منها على نسبة عريضة جدا من هذه الثروات، نحن بلدان يوحدها كون الأغلبية الساحقة من شعوبها تكدح لتغتني الأقلية القليلة فيها. فعذرا شهرنا الفضيل، ومرحبا بك بيننا، وليهنأ من يخافون من الوحدة العربية والإسلامية، فهي مازالت في حكم الحلم المستحيل.
الاثنين, 25 سبتمبر, 2006
تقبل الله صيامكم، وجعل شهركم هذا شهرا مباركا وسعيدا إن شاء الله، ووفقنا الله وإياكم فيه لحسن الطاعة والصوم إيمانا واحتسابا، كلما هل علينا هذا الشهر الفضيل إلا ووضعنا ـ ويا للأسف ـ أمام الضعف والهوان الذي تعاني منه أمتنا العربية والإسلامية، وكلما أطلت علينا بشائره إلا كشفت معها واقع التشرذم والفرقة التي تعانيها دولنا، في الوقت الذي كان يفترض فيه أن يذكرنا شهر القرآن والجهاد بانتصارات الأمة الإسلامية على مر العصور، وبالبطولات التي خطها أجدادنا على صفحات التاريخ.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








