"كيما درنا وحلة" تعالوا اليوم قراءنا الأعزاء نهرب من هذا الواقع المر ونتخيل واقعا آخر لعلكم تنسون ولو للحظات قليلة مرارة العيش في مغرب الزيادات المتتالية والصاروخية في الأسعار، تعالوا نتمرد على حكومتنا ولو في الخيال ونجبرها على التخلي عن الزيادة في أسعار المحروقات، ونخلق لها واقعا جديدا ولو في أذهاننا يرغمها على أن تنزل إلينا وتتحاور معنا وتتوسل إلينا أن نعود إلى الواقع الحالي بالشروط التي نريد. هل أنتم متفقون؟ طيب، فلنبدأ إذن، تعلمون أن الحكومة طبقت منذ أسابيع زيادة هي الزيادة الثالثة في أسعار البنزين والمشتقات البترولية، وأن هذه الزيادات المتكررة رافقتها بالضرورة وبالتبع زيادات في الكثير من المواد الغذائية الأساسية وكذا في وسائل النقل، سواء منه النقل الحضري أو النقل بين المدن، وهو استغلال بشع لسكوت هذا الشعب وصبره، واغتيال لقدرته الشرائية التي تنهار كل يوم، تعالوا إذن نثور ونحتج على هذه الزيادة، لكن شريطة أن يكون احتجاجا في الخيال فقط، وسلميا "من الفوق"، وألا تنزلوا إلى الشوارع بمجرد قراءة هذا العمود لأنكم " حتودّوني في ستّين داهية" على حد تعبير إخواننا المصريين، و"خوكوم ما قاد على صداع" وليس بمقدوري مواجهة تهم من قبيل التحريض على الانتفاضة ضد الزيادات الحكومية في البنزين ومحاولة إضرام نيران اجتماعية والمشاركة فيها وصب الزيت على نار الغضب الشعبي الدفين مع سبق الإصرار والترصد. الشكل الاحتجاجي الذي أقترحه عليكم هو أن تتخيلوا أننا قررنا بشجاعة في المغرب أن نقاطع وسائل النقل هذه، لأن الحكومة كانت تتعذر بارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية لتزيد في أثمان البنزين، ولكن عندما انخفضت أسعار النفط بقيت أسعار بنزيننا في السماء. ماذا؟ تتساءلون كيف سنتنقل؟ بسيطة، كيف كان يتنقل أجدادنا؟ سنعود إلى عهد الأجداد والأسلاف، لا حاجة لنا بهذه الحضارة الزائفة التي لا يستفيد منها الضعفاء غير أمراض السكر والملح والضغط الدموي، ولا شك أن أي واحد منكم يتذكر كيف أن أباه أو جده كان يحكي له عن بعض مغامرات "السكّة القديمة"، وعن قصص قطع المسافات الطويلة مشيا على الأقدام من الشمال إلى الجنوب، سنقاطع "الطّوبيس" والطّاكسي والحافلة حتى تركع الحكومة وتنزل بأسعار البنزين إلى مستوانا المعيشي، ثم إن بلدنا والحمد لله ما تزال فيه الحمير والبغال والخيول والجمال وما شئتم من الدواب التي تحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، فمن كان منكم يملك قزديرة من نوع "إيركات" أو "فياط" وألف أن يتنقل عليها ولم يعد يقوى على السير ولو مسافة قصيرة، فليستبدل بها جحشا صغيرا "على قدّ الحال"، ومن كانت له سيارة متوسطة الجودة فليختر عوضا عنها حمارا ذا بسطة في الجسم، ومن كانت له سيارة من نوع "كات كات" فإن بغلا أو جملا يكفيه ليتسلق الجبال والطرق الوعرة أو يسيح في رمال الصحراء الذهبية، بقي فقط أولئك البرجوازيون "المرفّحون" الذين لا يركبون إلا على "اللّيموزين"، فسنترك لهم الخيول والجياد الأصيلة ولن ننافسهم فيها، وندعوهم للتضامن معنا في احتجاجنا على الحكومة. بهذه الطريقة الاحتجاجية سنغير الواقع، وسوف لن نكون بحاجة إلى تغيير قانون السير، سنحافظ عليه مع بعض التعديلات البسيطة، كأن تتحول أضواء المرور إلى أصوات للمرور، فعوض الضوء الأحمر سيصبح لدينا صوت ينبعث من مكبر يقول: "شششّاااااا"، وعوض الضوء الأخضر نستعمل صوتا يقول: "رّا" أو "تّا سير" أو "أرا كعّد"، وعوض مواقف السيارات ستصبح لدينا "الكوارا" و"الفنادق"، وسنقلل من نسبة التلوث وسوف لن ينسى لنا ثقب الأوزون هذا الجميل، وسوف نفك هذا الارتهان البغيض لسياسة أمريكا في التحكم في السوق العالمية للنفط، وسنرغمها على أن تعيد النظر في سياساتها نحونا. ستصبح تكلفة نقل المواد الغذائية الأساسية رخيصة فتنخفض معها الأسعار، وستعوض الدواب الكثير من وسائل النقل التي ينهبنا أصحابها، ولن يكون لدينا مشكل في الاحتفاظ بخطوط النقل الحضري، فننتظر البغل رقم 17 أو الحمار رقم 20، وستكون التذكرة ولا شك رخيصة وسيكون بمقدور الجميع التنقل إلى حيث متى شاء، وسوف تقل حوادث السير، دون أن يكون هناك خوف على شركات التأمين لأنها ستخترع التأمين على الركل والتأمين على الرفس، والتأمين على التزعريط، وسيكون لتأمين الحمار "مول بلاصة وحدة" ثمن خاص، ولتأمين الحمار "مول جوج بلايص" ثمنه أيضا، ولتأمين البغل ثمن ولتأمين الجمل والجواد ثمن، وهكذا. لكن توقفوا، كيف لم ننتبه إلى قضية خطيرة، قد تلجأ الحكومة إلى الزيادة في أسعار الشعير والتبن و"النخّالة"، "كيما درنا وحلة" إذن لا فائدة من كل هذا الذي نحلم به، أرجوكم أن تتفرقوا من هذا الحلم بهدوء، بنظام وانتظام وبدون أعمال شغب، وإني بريء من حلمكم هذا ولا أتحمل مسؤوليته. محمد أعماري
الاربعاء, 20 سبتمبر, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








