الثلاثاء, 19 سبتمبر, 2006
''مزاليط المونديال ''- بقلم محمد أعماري
تهتز الدنيا كلها هذه الأيام على إيقاع كرة القدم، التي اجتمع عشاقها ومحترفوها وهواتها وتجارها في مدن ألمانيا، وإذا كان اهتزاز وانفعال وصراخ وانهيار تجار ومحترفي هذه اللعبة العجيبة، فإن الذي لا أفهمه شخصيا هو هذه الجلبة وهذه ''الحيحة'' التي تصدر من الكثير من الناس البسطاء وهذا الهوس الذي يسكنهم، خصوصا لما قطعت الفيفا وتجار النقل التلفزي لمباريات كأس العالم ''الما والضو'' عن ''مزاليط'' إفريقيا والعالم العربي، وسلمت جيوبهم المثقوبة لمالكي ''آرتي''، حتى قال بعضهم في الصحف متباكيا إن ملايين الفقراء في العالم العربي وإفريقيا محرومون من كأس العالم، وكأنه خبز أو مساعدات غذائية، وأصبح الكثيرون يبحثون عن بطاقات الاشتراك لمشاهدة ''التّحنقيز'' حتى قبل أن يبحثوا عن خبز ''الوليدات''، وأصبحت المقاهي ملاذ الكثيرين حتى أصيبوا بالإدمان المركب، إدمان السجائر والقهوة وإدمان الاهتزاز على وقع المحاولات الضائعة والكرات الطائشة، فمرة يكونون ألمانيين ومرة يصبحون إيطاليين، ومرة فرنسيين او أمريكيين أو أرجنتينيين أو إسبانيين، ومرة يساندون إخوانهم العرب والأفارقة، وحتى عبقرية تجار الرموز والشفرات في درب غلف لم تسعف هذه المرة في قرصنة مقابلات المونديال، فأرغم مزاليط كأس العالم على ''الحريك'' نحو قنوات ألمانية وسويسرية، وربما إن كانت من فائدة في هذا المونديال لهؤلاء المهووسين فهي أن بعضهم سيخرجون من مبارياته وقد تعلموا بعض الكلمات والتعابير في اللغة الألمانية، لكن ذلك مستبعد جدا لأن لغة القدم والمراوغات ستسحرهم أكثر من لغة التعليق والتحليل الرياضي. والحقيقة أن علينا أن نشكر الفياف و''آرتي'' لأنها وفرت علينا أن يزداد ضغطنا الدموي ليس فقط بالعيش في المباريات لحظة لحظة والاهتزاز في كل مرة وفي كثير من الأحيان السب والشتم والضرب على الطاولات وتكسير المتاع والأثاث، بل كان الكثيرون منا ستصيبهم ''الفقايس'' وهم يرون ملاعب ألمانيا وجمالها ويقارنونها بهذه ''الرحبات'' التي ''يتناقز فيها لاعبونا في البطولة الوطنية، وبتلك الملاعب الكارطونية التي تقدمها جامعتنا مع كل ملف لطلب احتضان المونديال، أو عندما يرون ذلك العدد الهائل من الزوار الذي استقبلته ألمانيا وهيأت له الحافلات اللائقة والفنادق المناسبة والشوارع والساحات الواسعة، ولو قدر لبلد من هذه البلدان الفقيرة التي يتباكى الكثيرون على منعها من الفرجة أن يستقبل مثل هذه التظاهرة لكان زواره مضطرين للمبيت في الشارع ولبقي الكثيرون خارج المدرجات ولاضطر الجائعون منهم إلى أن ''يقلبوها ساندويتشات الزيتون والحرور''. وحتى تعلموا ضخامة تجارة كرة القدم هذه، التي ربما لا تضاهيها تجارة في العالم، فهاكم بعض الحوادث التي تؤكد ذلك، والتي ليست إلا غيضا من فيض، وهي حوادث وأخبار نشرها موقع ''كورة دوت كوم'' على الأنترنت، حتى لا تظنوا أني ''جبت شي حاجة من راسي''، فقد اعتقلت الشرطة الماليزية 18 رجلا يكونون عصابة للمراهنات على مباريات كأس العالم لكرة القدم، وصادرت لديهم 13 جهاز كومبيوتر محمول وبطاقات مراهنة وأجهزة تسجيل وأجهزة تليفزيون وهواتف محمولة، ويُعتقد أن العصابة تمكنت من جمع حوالي 270 ألف دولار (270 مليون سنتيم) عن كل مباراة في كأس العالم. كما أن عدد الرعاة الرسميين لبطولة كأس العالم بألمانيا 2006 بلغ 15 راعيا، ليسوا طبعا أولئك الرعاة الذين يتبعون قطعانا من الأغنام، ولكنهم تجار يربحون على حساب هذه الأفواج التي تتجه إلى الملاعب أو تنتصب أمام الشاشات، خصوصا وأن التقديرات تقول إن 30 مليارا يشاهدون المباريات عبر الشاشة الصغيرة. وأكد الخبراء أن مواصلة المنتخب الألماني الفوز في المباريات المقبلة بالبطولة سيرفع من قيمة اللاعبين بشكل أكبر حيث يحاول ريال مدريد التعاقد مع ميروسلاف كلوزه وينافسه مانشستر يونايتد كما يجري أتليتكو مدريد وراء تيمو بوروفسكي فضلا عن فيليب لام وتورستن فرينجز اللذان يسعى تشيلسي بطل الدوري الانجليزي للتعاقد معهما، اللاعبون يجرون وراء المال، والمسيرون يجرون وراء اللاعبين ليجلبوا بهم المال، فما الذي نجري وراءه نحن الذين نتباكى على عدم مشاهدة نجوم المونديال الذين أصبح الكثيرون منهم أغنى وأهم وأكثر شعبية وقيمة من رؤساء الدول، حتى إن الرئيس الغاني أعرب عن مواساته لمنتخب بلاده لكرة القدم بعد خروجه من حلبة السباق، ووجه رسالة لمعسكر الفريق في ألمانيا (لاحظوا تعبير المعسكر هذا، ''راه حتى الكوايرية تيتدربوا على التّير'' ويدافعون عن بلادهم أمام الأعداء)، وقال إنهم أبلوا بلاء حسنا وقدموا أنفسهم بشكل لامع وجعلوا غانا وإفريقيا تفخر بهم، وبما أنني محسوب على إفريقيا هذه، فإني شخصيا أعلن أني لا أفتخر بمنتخب رفع لاعبوه راية العدو الإسرائيلي بعد فوزهم، ولا اعتبار عندي للاعتذار الذي قدمته الجهات المسؤولة عن كرة القدم في غانا. ولا يتسع المجال للمزيد، ولا يسعنا في الحقيقة إلا القول ''آش خصك ألمزلوط، المونديال أمولاي''. محمد أعماري29/6/2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا <<الصفحة الرئيسية