الثلاثاء, 19 سبتمبر, 2006
ما يقد علينا غيـر لّي خلقنا- بقلم محمد أعماري
منذ ثلاثة أيام فقط ''درنا البرّاح'' وأخبرناكم ألا تذهبوا إلى المستشفيات بسبب الإضراب الذي دعت النقابات الصحية إلى خوضه يومي الثلاثاء والأربعاء، ونعود لنخبركم مرة أخرى أن لا تذهبوا إلى ''البوسطات'' اليوم وغدا (سمحوا لينا واخّا البريح جا شويّا معطل)، فقد قرر موظفو البريد بدورهم أن ينزلوا ''الرّيدو'' اليوم الخميس وغدا الجمعة، و''لهلا يسيفط شي برية لشي واحد ولا يصرف شي مانضة لشي مزلوط''. وهذه هي حالنا في هذا البلد والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، لا أحد منا مرتاح في عمله، ولا أحد ''صابها كيف بغاها''. في بلدنا هذا ما أن ينتهي إضراب في قطاع حتى يبدأ إضراب في قطاع آخر، وما أن ''يتسرّح قادوس'' حياتنا التنموية والاجتماعية من جهة حتى يختنق من الجهة الأخرى، ننتزع رجلا من الوحل وتغرق لنا الأخرى، ''كيخدم السبيطار وتوقف البوسطة، وملي تخدم البوسطة يوقف الطوبيس، ملي يتحرك الطوبيس تسد المدرسة، وملي تحل المدرسة توقف دار الجماعة''، وهكذا لن نتزحزح من مكاننا أبدا، ''هنا بقينا'' مادامت مواردنا البشرية غير مرتاحة ولا تتوفر لها الظروف المساعدة على العمل والاجتهاد والتفاني في خدمة المواطنين، موظفون بسطاء تطحنهم آلة الحياة اليومية التي يواجهونها برواتب هزيلة تنوء بحمل أعباء وتكاليف الزمان، ومديرون لا يفعلون شيئا غير خربشات فوق الأوراق من حين لآخر، وإصدار للأوامر من الأبراج العاجية، لكنهم غارقون في الملايين والفيلات. ومن حسن حظنا أن مكاتب البريد لم يعد يتوجه إليها الناس كثيرا، كما أنهم لم يعودوا ينتظرون سُعاة البريد بذلك الشوق الذي كان في أيام زمان، وأصبح ''الفاكتورات'' لا يوزعون غير ''فاكتورات'' الماء والكهرباء، لأن زمان الرسائل البريدية قد ولى، وانتهى ذلك التاريخ الذي كنا نقرأ فيه عبارات من بعض المغتربين إلى عائلاتهم مثل: ''تَوَحَّشناكم غاية الوحوش ولا ينقصنا إلا النظر في وجوهكم العزيزة علينا''، أو ''قل لأبي إني سأرسل له الفلوس في رأس الشهر المقبل''، كما مضى أيضا زمن ''التليغرامات'' التي كانت خير وسيلة للإخبار بوفاة أو بالنجاح في مباراة، أما اليوم فقد أصبح الـ''إيس إيم آس'' والـ''إيم إيم آس'' لغة التراسل اليومية، وكادت ''الميساجات'' أن تحيل سعاة البريد على التقاعد، إذ أصبحت تكفيك بعض الضغطات المعدودة على أزرار هاتفك النقال لتبلغ من شئت وأين شئت ومتى شئت بما شئت، واختُزلت الرسائل التي كان يتبادلها العشاق وكانت تكتب على صفحات من الحجم الكبير وبعد عناء وجهد جهيد، اختزلت إلى جمل قصيرة، مثل ''نفسي أبعث لك جواب مع عصفور، لكن أخاف عليك من أنفلونزا الطيور''، وحتى الدعاء والتهنئة بالمناسبات أصبحت ترسل عبر الأثير في كلمات معدودة، حتى إن المبدعين في ''الميساجات'' ابتكروا دعاء يدعو به من أحس جفاء من صديق أو قريب، ويقول الدعاء: ''اللهم من هجرنا برسائله نسألك أن تدمر جواله، وتعمي شاشته، وتطفئ أزراره، اللهم أسقطه منه لينكسر، اللهم افصل عنه الخدمة نهائيا وفجر بطاريته وأضعف إرساله، وأحرق شريحته، وخرب تلبيسه، اللهم اجعله خارج التغطية ليكون عبرة للمبخلين''، ولمناسبة رمضان أيضا ''ميساجاتها'' الخاصة مثل: ''كساك ربي حرير الجنان وأثقل لك الميزان وبلغك رمضان''، ومن الرسائل القصيرة التي تتداول كذلك في مناسبات الأعياد: ''صباح الخير والتيسير، صباح اللوز والديسير، صباح الملوي والبغرير، صباح الكوفتير وخبز الشعير''، وبالأمازيغية يرسلون رسالة أخرى تقول: '' صباح الخير ءيعزّان د أوسكّيفءيرغان د واتاي ءيحمان دو ءوغروم ءينكان د زّيت ن ءيفران د وراكان ءيحاحان د ءيميك ن تمنت ن ءيدا وتنان''، وحتى من لا يفهم العربية والأمازيغية كثيرا، فقد اخترع له ''خّوتنا في الله'' ''ميساجا'' يقول: ''je te souhaite hawli typique avec kebda magnifique kercha fantastique mechoui sympatique et aid très chic''، ومن أحسن ما أبدعه المغاربة في الميساجات هذا الدعاء: ''اللهم اجعل إيماننا نقطة ساخنة، واجعل حصاد غدنا خيرا من حصاد اليوم، واجعل طريقنا وطريق الشيطان في الاتجاه المعاكس، واجعل صدقاتنا سرية للغاية، وارزقنا سعادة بلا حدود''. ما رأيكم؟ ''حنا راه ما يقد علينا غير لّي خلقنا''. محمد أعماري30/3/2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا <<الصفحة الرئيسية