''عطا الله ما يتّقال''- بقلم محمد أعماري في الأسابيع القليلة المقبلة سيكون على الحكومة المغربية تقديم تقرير أمام لجنة الخبراء بجنيف عن سير إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالمغرب. وليسمح لنا وزيرنا في العدل، الذي عقد ''هادي شي يومين'' لقاء تواصليا مع حوالي 25 منظمة غير حكومية ومع القطاعات الحكومية المهتمة بحقوق الإنسان لمناقشة الموضوع والتداول والتشاور، ليسمح لنا السيد الوزير أن ندلي معه بدلونا في هذه البئر العميقة، وإن كنا لسنا من محترفي الحديث في حقوق الإنسان، ولكن يشفع لنا أننا ''واقيلا'' بشر يرون الكثير من حقوقهم تضيع أمام أعينهم كل يوم. ''لّي مشى عافاكم يقرا داك التقرير على النصارى'' فليقل لهم إن رجال الأمن عندنا موجودون والحمد لله، وأن الذي ليس موجودا في كثير من مدننا وشوارعنا هو الأمن نفسه، قولوا لهم إن هذا الأمن ''ما هداهش الله يثبت'' وأنه مازال في بقاع كثيرة من بلدنا يمكن أن يعترض بعضهم طريقك وفي يده خنجر ويسلبك ما تملك ولا تنفعك معه لا شكاية و''مولاي بّيه''، لأن المجرم عندنا قد يدخل السجن من باب ويخرج باب ليعود إلى ''سيكتوره'' ويمارس هوايته، أو على الأصح حرفته. قولوا لهم إنه في الوقت الذي تجتهد فيه الدول الأخرى في القضاء على البطالة نجتهد نحن في القضاء على العمل، فنقلص مناصب الشغل في الميزانيات عاما بعد عام، ونرفع الضرائب ونكثر من القيود الإدارية واالبيروقراطية على المستثمرين حتى إنهم ليندمون على اليوم الذي فكروا فيه أن ''يدوّروا الحركة'' ويشغلوا معهم بعضا من الواقفين في هذا الطابور من ''الشّومورات'' الذين يتكاثرون عندنا يوما بعد يوم، ومن كثرتهم أصبحوا يحرقون أنفسهم في الساحات العمومية، ومنهم من انتحر بعدما فقد الأمل. قولوا لهم إننا البلد الذي يمكن أن يتمدد فيه شخص أمام مستشفى عمومي أسبوعين كاملين متتابعين ولا يلتفت إليه أحد حتى يلتحق برحمة ربه لأن بعض مسؤولينا لا يعرفون الرحمة، وإذا أردتم أن تسموا الحالة فقولوا لهم إن ذلك حدث في مدينة الجديدة، وإن لم يقتنعوا فذكروهم بأن حالة قريبة من هذه سبق أن وقعت في بني ملال، حيث كان ينام شيخ في ساحة المستشفى شهورا وجزء كبير من بطنه متعفن وتعتصره الآلام، ولا من سأل عنه أو أشفق لحاله، وربما هناك حوادث مماثلة في مدن أخرى ''ما ساق ليها حدّ خبار''. قولوا لهم إننا بلد لا تساوي فيه أرواح البشر شيئا، فمنا من يسقط في حرب الطرق، ومنا من يسقط في حرب العصابات، وحتى لا ترعبوهم اشرحوا لهم أن الأمر لا يتعلق بحرب العصابات المشهورة التي تقع بين الجيوش في الشوارع، ولكنها حرب عصابات من نوع آخر تقودها علينا عصابات إجرامية لا فرق عندها بين قتل الحشرات مثل الذباب والبعوض وغيرهما، وبين قتل ''حشرات آدمية'' لا يقبل منها بوليسنا شكوى إلا بعد سفك دمائها، وقولوا لأولئك الغربيين أن يتعلموا منا لأننا لسنا مخبولين مثل الأمريكان الذين أدانت محكمة من محاكمهم رجلا بالسجن لمدة تفوق خمس سنوات لأنه قتل سمكة سنة ,2003 وقولوا لهم وأنتم تبتسمون ابتسامة المتهكمين إن ملايين الأسماك عندنا ينهبها جنرالات ونافذون كل يوم يا من سجنتم رجلا لأنه قتل سمكة. قولوا لهم إننا مازلنا نعيش معيشة عبرت عنها إحدى فرقنا الغنائية في السبعينات منالقرن الماضي بعبارة مازالت لصيقة بها إلى اليوم، نعيش ''عيشة الدبانة في البطانة'' و''الله يرحم عليها ناس الغيوان''، قولوا لهم إن ''الزمان كيصعاب'' على المزاليط منا يوما بعد يوم، وإن الأسعار المرتفعة سحقت قدرتنا الشرائية وإن شركات زملائهم الفرنسيين والإسبان قد سحقت جيوبنا بفواتير الماء والكهرباء والهاتف التي تصنف كلها في خانة الوزن الثقيل، ولا بأس أن تقولوا لهم إننا دفنا الماضي بعدما كشفنا لعائلات ضحايا القمع المقابر الجماعية التي دفن فيها ذووهم ومكناهم من رؤية عظامهم والترحم عليها، لكننا بالمقابل لسنا ممن يحفرون مقابر جماعية لندفن فيها الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لأنها إذا لم تستمر عندنا ''ما نتسمّاوش مغاربة''، قولوا لهم إن أشكال التعذيب والقمع والانتهاكات التي أنشأنا من أجلها هيأة المصالحة والإنصاف وفرقنا ملايين الدراهم مازالت تمارس عندنا في الكوميساريات وإن بعض مخافر الدرك والشرطة في بلدنا مازلنا نستنطق فيها بأساليب تنتزع من المتهمين كرامتهم وآدميتهم قبل أن تنتزع منهم اعترافات، ومن لم تكن لهم اعترافات ينتزع الاستنطاق منهم أرواحهم، وقولوا لهم إن الانتهاكات عندنا لا تحارب إلا بعد أن تصبح ''خامجة أو فيها ريحة الخليع''، وأننا عندما سنحس أن ''القضية حامضة'' سننشئ هيأة جديدة نجلد فيها الماضي. وقولوا لهم... وقولوا لهم... وقولوا لهم... وقولوا لهم... ''راه عطا الله ما يتّقال''. محمد أعماري10/4/2006
الثلاثاء, 19 سبتمبر, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








