ضريب الخط وزعت علينا المندوبية السامية للتخطيط ـ نحن قبيلة الصوحافيين ـ في الأسبوع الماضي استمارة عجيبة للغاية، تدعونا فيها إلى أن نغمض أعيننا ونرحل إلى سنة 2030 (ميلادية ماشي هجرية)، مثلما يفعل الأطفال الذين يتابعون أفلام الرسوم المتحركة، ويتخيلون من خلالها أن كائنات غريبة من كواكب أخرى ستنزل إلى كوكب الأرض في المستقبل وتدكه دكا، وأنه سيتصدى لها أبطال يرى فيهم الأطفال أنفسهم، فيشبون على محاربة الأوهام. محمد أعماري 7/11/2005
وقالت مذكرة المندوبية إن هذا العمل يأتي في إطار >المقاربة المستقبلية لمغرب 2030 بهدف إرساء أسس التخطيط الاستراتيجي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد<، و>إنجاز أبحاث ميدانية لاستطلاع تصور بعض الشرائح السوسيو ـ مهنية كالصحفيين والكتاب والطلبة لمغرب 2030<، و>سبر أغوار المستقبلات المحتملة<، وطلبت من الذين قبلوا الإجابة على محتوى مذكرتها >إطلاق العنان لمخيلتهم بوضع أنفسهم وهم يمارسون نفس المهنة، ولكن في سنة 2030<.
وربما نسي أصحاب هذه الفكرة أننا حتى لو أطلقنا العنان لمخيلاتنا فلن تأتي بالكثير، لأننا تعلمنا ألا نحلم كثيرا، وكان أقصى ما نتمناه عندما كان يسألنا المعلم ذلك السؤال الاستشرافي للمستقبل: آش بغيتي تكون ملي تكبر؟ هو أن نصبح موظفين بسطاء مثل المعلم أو المخازني أو الجدارمي أو الكتاتبي ديال القايد، وإذا فكر أحدنا أن يتجاوز هذا السقف بقليل فيصبح طبيبا ''ما يكولها حد لحد''، في الوقت الذي كان فيه آخرون يُعِدّون أبناءهم ليكونوا سفراء وخبراء ووزراء، لذا فقد كان على المندوبية ـ ضمانا لنتائج أوثق وأقرب إلى الحقيقة ـ أن تتوجه باستماراتها إلى ''هادوك لي تيحسبوها في السما'' ويحددون مستقبل المغرب ويقررون مصيره كل صباح ومساء.
ومع ذلك فما دامت المذكرة التي توصلنا بها تدعونا إلى أن نحلم، فسأسمح لنفسي أن أتحول إلى ''شواف'' و''أضرب الخط'' مع مندوبيتنا السامية للتخطيط ''ياك ما نجيبوها معاها في لوردر''. ''أسيدي إلى حياني الله وبقيت صحافي''، وإذا استمرت الحكومات في الزيادات الصاروخية في أسعار البنزين، فلن تحل سنة 2030 حتى تجدنا رجعنا إلى عصور التنقل بالدواب وسنعيد لأوروبا ''قزديراتها''، وستمتلئ شوارعنا بالحمير والبغال، وسوف لن تقسم وزارة الاتصال الصحفيين إلى أصحاب البطائق المجانية أو نصف المجانية في القطار، وسوف لن تبحث لهم عن تخفيض في الطائرة أو في حافلات ''الساتيام''، بل ''شي غاديا تعطيه حمار وشي غاديا تعطيه بغل''، كما أرجح أن فيدرالية الناشرين، التي قالت المذكرة إنها هي أيضا دايرة شي بركة مع المندوبية في هاد شي ديال الاستمارة، ستوزع صحفها على ظهور الجِمال، هذا إذا بالغنا في التفاؤل، أما المنطق فيقول إنه مع هذه الأوضاع، ''من هنا لـ2030 ماغادي تبقى عندنا لا صحافة لا سيدي زكري''، وسيتحول معهد الإعلام الوحيد لي نكسابوه في مدينة العرفان بالرباط إلى تكوين ''البرّاحة'' و''الرقّاسة'' و''المقدمين'' عوض تكوين الصحافيين.
وأرى كذلك أن سنة 2030 ستكون سنة سوداء على لصوص المال العام، إذا استمرت الحكومات في غض الطرف عنهم ولم تحاكمهم ولم تسترد أموال الشعب، لأنه بكل بساطة إذا استمر النهب بدون عقاب، فسوف لن يجد لصوص 2030 ما ينهبون، وبما أن العالم يصغر يوما بعد يوم، والعولمة تلغي الحدود لحظة بعد لحظة، وإذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه في بلدنا الحبيب هذا، فإنه في سنة 2030 لن تجد المندوبية السامية مع من ''تعمر السوق''، لأننا قد نعبئ جميعا طلبات المغادرة الطوعية و''نخويو البلاد'' لمدرب المنتخب الوطني الذي يغرف من ميزانيتنا بلا حساب، وللقلة القليلة التي تتمتع بثرواتها. وخلاصة القول مستقبلنا يحكمه حاضرنا، وقد علمنا أجدادنا أن نقول ''جري يا صغري على كبري''، وعلامات الغد ظاهرة منذ اليوم، وإذا لم يتول الله هذه البلاد برحمته ويهيء لها رجالا يخرجونها من عنق الزجاجة، ''راه تاعتنا ما تعاود''، باختصار و''الله أوما قفلنا لا فورنا''.
الثلاثاء, 19 سبتمبر, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








